علي المالكي
04-14-2008, 05:17 PM
(1)
((بني مالك بجيلة أمجاد سامقة وحضارة مشرقة))
نسب القبيلة
بالعودة إلى المراجع يجد الباحث أن النسابين اختلفوا في نسب هذه القبيلة ، والاختلاف كان في نسب الأب فقط ، فمنهم من نسبه إلى قحطان ومنهم من نسبه إلى عدنان وهذا هو الراجح بالنسبة لي ، وأنا لست بصدد سرد أسماء المؤلفين في كلا القولين ولكنني سأذكر المحصلة النهائية في ذلك على النحو الآتي
1/ إذا مانُسبوا إلى قحطان فهم : بنو أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان .
2/ إذا مانُسبوا إلى عدنان فهم : بنو أنمار بن نزار بن معد بن عدنان .
أكتفي بهذه المحصلة ومن أراد التوسع فبإمكانه العوده إلى المشاركات القديمة أو العودة إلى المراجع المعروفة وهناك إن شاء الله يجد الكثير من التفاصيل في القولين كليهما .
* نسب الأم بجيلة / لم يختلف عليه إثنان ، وقد يقع البعض في خطأ عندما يسأل عن نسب القبيلة ، فيقول هل بجيلة من عدنان ام من قحطان؟ وهو يقصد بني مالك ، فكما قلنا الاختلاف لم يكن إلا في نسب الأب أنمار . ونعود لنسب الأم فهي بجيلة بنت صعب ابن سعد العشيرة وهي من قحطان .
تاريخ القبيلة في العصر الجاهلي
في العصر الجاهلي تكاد تكون الأحوال متشابهة بين القبائل ، فهي أجواء يغلب عليها الحروب والثأر والغزو ، إلا أنها كانت غنيّة بالأخلاق الحميدة ومنها ما أقرّه الإسلام مثل الكرم والشجاعة وحماية الجار وما إلى ذلك . وقد احتضنت المراجع عددا من المواقف التاريخية للقبيلة نذكر لكم بعضا مماحصلنا عليه .
1/ ديارهم وأماكن نزولهم
في ذلك قولين عطفا على الاختلاف في النسب هل هم من عدنان أم من قحطان ، وبما أنني أرجح إنتسابهم الى عدنان فإن حديثي سيكون في هذه الحدود . فلقد كان أنمار مع إخوته مضر وإياد وربيعة في مكة المكرمة ، فلما أن غلبت مضر على رئاسة وسدانة البيت ، وخرج إياد بذريته إلى أرياف العراق ، وسار ربيعة ببنيه إلى نجد وأرياف الشام والجزيرة ، مضى أنمار بأبنائه إلى السروات وتهامة من بلاد اليمن ، وحسبوا من القبائل اليمنية .
عندما نزلوا بالسراة تحول جزء منهم إلى مناطق تهامة ، وهم ابناء قسر بن عبقر ، فسكنوا في أودية حلية وحقال وأسالم وماجاورها من الأودية والجبال ، ولقد كانت هذه الأراضي تحت ملك إحدى القبائل العربية القديمة وإسمها (ثابر) فحاربتها قبائل قسر فأجلتها عن ديارها إلى ماشاء الله ، وكذلك الحال مع قبيلة خثعم أقرب القبائل نسبا إلى بجيلة . وفي ذلك يقول الشاعر البجلي سويد بن جدعة من بني أفصى بن نذير
ونحن أزحنا ثابرا عـن بلادهـم
...................... وحليٌ أبحناها فنحـن أسودهـا
إذا سنة طالـت وطـال طولهـا
...................... وأقحط عنها القطر واسودّ عودها
وجدنا سـراة لايحـول ضيفنـا
...................... إذا خطـة تعيـا بقـوم نكيدهـا
ونحن نفينا خثعما عـن بلادهـا
...................... نقتل حتى عاد مولـى شريدهـا
فريقين فريق باليمامـة منهـم
...................... وفريق بخيف الخيل تترى خدودها
والشاعر عمرو بن الخثارم البجلي يقول
نفينا كأنا ليـث دارة جلجـل
..................... مدلّ علـى أشبالـه يتهمهـم
فماشعروا بالجمع حتى تبينـوا
................... بنية ذات النخـل مايتصـرّم
شددنا عليهم والسيوف كأنهـا
................... بأيماننـا غمامـة(ن) تتبسّـم
وقاموا لنا دون النساء كأنهـم
.............. مصاعيب زهر جللت لم تخطم
ولم ينج الا كل صعل هزلـج
............... بخفف من اطماره فهو محرم
ونلوي بأنمار ويدعون ثابـرا
............... على ذي القنا ونحن والله أظلم
حبيبيّة قسريـة(ن) أحمسيـة
................. إذا بلغوا فرع المكارم تممـوا
منحنا حقال آخر الدهر قومنا
............... بجيلة كي يرعوا هنيئا وينعموا
فأصبحت تلك هي بلادهم في مناطق تهامة واما في السراة فإلى أعالي وادي تربة . فكانت ايديهم جامعة وكلمتهم واحدة ، يغزون من يليهم ويحمون دخيلهم ويكرمون ضيوفهم .
2/ قصة الحرب التي وقعت بين أحمس وزيد
أحمس ابن الغوث ابن أنمار ، وزيد بن الغوث ابن أنمار ، بطنين من بطون بجيلة . فلقد وقعت بينهما حربُ دامية طال أمدها ، حتى كانت الغلبة لقبيلة زيد ، فقتلت أحمسا حتى لم يبقى منهم إلا أربعون غلاما ، فأخذهم عوف بن أسلم الأحمسي فذهب بهم إلى قبيلة بني الحارث بن كعب فنزلوا معهم وجاوروهم ، وبقيوا إلى أن قويت شوكتهم ، فأغاروا ببني الحارث على قبيلة زيد فقتلوهم ونفوهم عن ديارهم ، ولم يبقى منهم الا القليل فرجعت أحمسا إلى ديارها .
3/ قصة الحرب التي وقعت بين بطون قسر
كانت قسر في ديارها ، كلمتهم واحدة وأيديهم جامعة ، حتى مرت بهم حدأة ، فقال رجل من بني عرينة بن نذير بن قسر بن عبقر : أنا لهذه الحدأة جار ، فعرفت بالعرني أو العريني ونسبت إليه ، فلبثت حينا ثم إنها وجدت مقتولة وفيها سهم رجل من بني أفصى بن نذير بن قسر بن عبقر ، فأغارت عرينة على بني أفصى فقتلوا صاحب السهم ، ثم إن أفصى استجمعت قواها فالتقوا في مكان ما ، فتقاتلوا قتالا شديدا ، وفي آخر المطاف انتصرت عرينة على بني أفصى فقتلوهم إلا بقية منهم ، وعندما ظهر الإسلام عادت بطون قسر الأخرى فقاتلت عرينة فقتلوها حتى نفوها عن مساكنها . وفي ذلك يقول الشاعر عوف بن مالك بن ذبيان البجلي
وحدثت قومي أحدث الدهر بينهم
................... وعهدهـم بالنائبـات قـريـب
فأن يك حقا ما أتانـي فإنهـم
................... كـرام إذا مالنائبـات تـنـوب
فقيرهم مدني الغنـي وغنيّهـم
................... لـه ورق للمتعففيـن رطيـب
ونبئت قومي يفرحون بهلاكهم
............... سيأتيهم من المنديات نصيـب
تفرق بطون بجيلة وسبب ذلك التفرق
بسبب الحروب الطاحنة التي دارت بين بطون بجيلة ، تفرقوا في القبائل العربية فأصبحوا فيها متقطعين ، وهذا التفرق كان على النحو الآتي
*لحقت قبيلة عرينة بن قسر بن عبقر ببني جعفر بن كلاب وعمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة فنزلوا معهم
*لحقت قبيلتا غانم ومنقذ من قبائل عرينة بقبيلة كلب بن وبرة فنزلوا معهم
*لحقت قبيلة موهبة بن الربعة من قبائل عرينة ببني سليم فنزلوا معهم
*لحقت بعض بيوتات عرينة ببني تميم
*لحقت قبائل سحمة من ابناء الغوث بن أنمار ببني عامر بن صعصعة
*لحقت قبائل نصيب بن عبدالله من ابناء الغوث ببني عامر أيضا
*لحقت قبيلة بنو أبي مالك بن سحمة ببني الوحيد بن كلاب وبني عمرو بني كلاب
*لحقت قبيلة بنو أبي أسامة بن سحمة ببني عمرر بن كلاب ومعاوية بن الضباب
*لحقت قبيلة عادية من ابناء الغوث بن أنمار ببني عامر بن صعصعة
*لحقت قبيلة بنو فتيّان بن ثعلبة ببني الحارث بن كعب
*لحقت قبيلة جشم بن عامر بن قداد ببني الحارث بن كعب أيضا
*لحقت قبيلة قيس كُبة ببني جعفر بن كلاب
*لحقت قبائل بنو منبه بن رهم بن معاوية ببني سدوس بن شيبان في البحرين
*لحقت بعض البيوتات من قبيلة العتيك ببني سدوس ايضا
*لحقت بعض البيوتات من قبيلة العتيك بأرض عمان
*لحقت جل قبيلة العتيك بارض نجران مجاورين لبني الحارث بن كعب
*لحقت قبيلة الجلاعم من بني سحمة بأرض مابين البحرين واليمامة
*لحقت طائفة من قبيلة بني محلم ببني محلم بن ذهل بن شيبان وبقي منهم طائفة في بجيلة
فأصبحوا متفرقين بعد أن كانوا أعزاء ، وذلك بسبب مادار بينهم من حروب ومعارك ، وفي هذا التفرق الفضيع يقول احد شعرائهم
لقد فُرقتم فـي كـل أوب
................ كتفريق الإله بنـي معـد
وكنتم حول مروان جلوسا
............... جميعا أهل مأثـرة وجـد
ففرق بينكم يوم عبـوس
............. من الأيام نحس غير سعد
مشاركة بطون بجيلة في معركة جبلّة التاريخية
نظرا لأن الكثير من بطون بجيلة قد لحقت ببني عامر بن صعصعة ، فلقد كانوا مساندين لهم في يوم جبلّة ، وكان لهم أثر كبير في ذلك ، ولقد قال كبراء بجيلة بأن مغراء العريني البجلي هو الذي قتل لقيط بن زرارة ، وفي ذلك يقول شاعرهم
ومنا الذي أردى لقيطا برمحـه
غداة الصفاء وهو الكميّ المقنع
بجيّاشة كبّـت لقيطـا لوجهـه
وأقبـل منهـا عائـد يتدفـع
حرب بجيلة مع قبيلة سليم
كانت هذه الحرب بين قبيلة أحمس من بجيلة مع قبيلة سليم ، حيث أغار عمرو بن الحصين الأحمسي عليهم وكان ذلك في الجاهلية ، فخرجوا سليم في طلبه ، فالتقوا بمكان ما هناك وإسمه (الشقرة) وهو بالقرب من جبل سنام بالحجاز ، فحدث بينهما قتال شديد إنتهى بانتصار أحمس ، وفي ذلك يقول الأزور البجلي
لقد علمت بجيلة أن قومي
.................... بني سعد أولي حسب كريم
هم تركوا سراة بني سليم
..................... كأن رؤوسهم فلق الهشيم
بكل مهند وبكـل عضـب
..................... تركناهم بشقرة كالرميـم
وأنا قد قتلنا الخير منهـم
.................... وآبو موترين بلا زعيـم
كرز البجلي يناصر قيس بن الخطيم على الخزرج
خرج قيس بن الخطيم بن عدي بن عمرو إلى كرز البجلي ، طالبا منه النصرة على الخزرج وكان ذلك في الجاهلية ، فلما أجابه كرز قال فيه مادحا
فإن تنزل بذي النجدات كرز
...................... تلاق لديه شربا غير نـزر
له سجلان سجل من صريح
....................... وسجل رثيئته بعتيق خمـر
ويمنع مـن أراد ولايعايـا
...................... مقاما في المحلة وسط قسر
أسد بن كرز البجلي وقصته مع الجار
أسد بن كرز البجلي ، من فرسان بجيلة المعدودين ، وقد لقب برب بجيلة وذلك لأنه حرّم الخمر في الجاهلية ، وقد كان لأسد سلطة على قبيلته ، وفي يوم من الأيام جاء رجل فنزل بدياره جارا له ، وكان مع هذا الرجل إبلا كثيرة ، فقامت إحدى القبائل بالتعرض له فلما وصل الخبر إلى اسد هب لقتالهم ، فأوقع بهم موقعة عظيمة ، فأخذ حق جاره ، وكان أسد شاعرا وفي ذلك يقول
ألا أبلغـا بنـي سحمـة كلهـا
..................... بني سحمة مني وسحقا لخثعـم
فما أنتـم منـي ولا أنـا منكـم
................... فراش حريق العرفج المتضـرّم
فلست كمن تزري المقالة عرضه
...................... دنيئا كعـود الدوحـة المترنـم
وماجار بيتـي بذليـل فترتجـي
................... ظلامته يومـا ولا المتهضمـي
وأقزل آبائي وقسـر عمارتـي
................... هما رديانـي عزتـي وتكرمـي
وأحمس يوما إن دُعيت أجابنـي
................... عرانين منهم أهـل يـد وأنعـم
فمن جار مولى يدفع الضيم جاره
............. إذا ضاع جاري يا أميمة أو دمي
فكيف يخاف الضيم من كان جاره
............... مع الشمس ما إن يُستطاع بسلّم
المكشوح البجلي وقصة قتل عمرو بن أمامة
المكشوح البجلي من فرسان بجيلة الاشداء وقد كان حليفا لبني مراد ، ولذلك يقال عنه أحيانا المكشوح المرادي ، ولما نزل عمرو بن أمامة بن المنذر بن ماء السماء ببني مراد مرغما لأخيه عمرو بن هند ، أخذ في التجبر عليهم وعدم ولم يحسن المعاملة ، حتى أن المشكوح لم يطق منه ذلك التعامل ، فقام بقتله وله في ذلك أبيات حيث يقول
نحن قتلنا الكبش إذ ثرنا به
................. بالخل من مرجح إذ قمنا به
بكل سيف جيد يعصى بـه
................ يختصم الناس على إغترابه
قصة قتل عمرو بن كلاب وسعد بن الأشرس
كانا منادمان لتأبط شرا ، وعرف عنهم سرعة العدو وذلك ساعدهم على غزو القبائل وأخذ مالديهم ، ولهم مع بجيلة قصص كثيرة ومنها غزوهم على قبيلة العوص ، فوجدوا لهم بعضا من الأنعام فأخذوها ، ولما علم فرسان العوص بذلك هبوا لمطاردتهم حتى حجزوهم على رأس جبل ومعهم تأبط شرا ، فكانت النتيجة أن قتل عمرو وصاحبه ابن الاشرس ، واما تأبط شرا فقد نجى وله في ذلك أبيات حيث يقول
ألا تلكما عرسي منيعـة ضمنـت
................. مـن الله إثمـاً مستسـا وعالـنـا
تقول: تركت صاحباً لك ضائعـاً
.................. وجئـت إلينـا فارقـاً متباطـئـا
إذا ما تركـت صاحبـي لثلاثـة
............... أو اثنتين مثلينا فـلا أبـت آمنـا
وما كنت أباء على الخل إذا دعـا
............ ولا المرء يدعوني ممـراً مداهنـا
وكري إذا أكرهت رهطـاً وأهلـه
........ وأرضاً يكون العوص فيها عجاهننا
ولما سمعت العوص تدعو تنفـرت
........... عصافير رأسي من غـواة فراتنـا
ولم أنتظـر أن يدهمونـي كأنهـم
............... ورائي نحـل فـي الخليـة واكنـا
ولا أن تصيب النافـذات مقاتلـي
................. ولـم أك بالشـد الذليـق مدايـنـا
فأرسلت مثنياً عـن الشـد واهنـا
.............. وقلت تزحـزح لا تكونـن حائنـا
وحثحثت مشعوف النجـاء كأنـه
........... هجف رأى قصراً سمالاً وداجنـا
من الحص هرروف يطير عفـاؤه
............. إذا استدرج الفيفـا ومـد المغابنـا
أزج زلـوج هزرفـي زفــازف
............. هزف يبـد الناجيـات الصوافنـا
فزحزحت عنهم أو تجئني منيتـي
........... بغبراء أو عرفاء تفـري الدفائنـا
كأني أراها المـوت لا در درهـا
................ إذا أمكنـت أنيابـهـا والبراثـنـا
وقالت لأخـرى خلفهـا وبناتهـا
............ حتوف تنقي مخ من كـان واهنـا
أخاليـج وراد علـي ذي محافـل
........... إذا نزعوا مدوا الـدلا والشواطنـا
أم خارجة البجلية أم للكثير من بطون العرب
عمرة بنت سعد بن عبد الله بن قداد بن ثعلبة البجلي ، كانت من شريفات النساء في الجاهلية ومن أجملهن ، وكان يضرب بها المثل في سرعة الزواج ، حيث تزوجت نيّفا واربعين زوجا ولذلك هي أم للكثير من القبائل العربية ، وكان لايتزوجها إلا كبار القوم . وبشكل عام فلقد كنّ نسوة بجيلة من أجمل نساء العرب ، حتى أنهم تزوجن في الكثير من القبائل .
ترى الفتيان كالنخل ومايدريك مالدخل
هذه القصة حدثت لإحدى نساء بجيلة التي إشتهرت بالجمال ، وإسمها خود بنت مطرود البجلي وكان لها أخت جميلة وحكيمة إسمها عثمة ، ففي يوم من الأيام أتى سبعة رجال من الأزد من غامد ، وكان يبدو عليهم حسن المنظر والهيئة ، فذهبت خود لمشاورة أختها عثمة ، فأشارت عليها بأن تتزوج في قومها وألا تنخدع بالاشكال وقالت المقولة الشهيرة (ترى الفتيان كالنخل ومايدريك مالدخل) ولكن خودا وافقت على الزواج من أحدهم . وفي أحدى الأيام أغار بنو مالك بن كنانة على الأزد هؤلاء فهزموهم وانكشف زوج خود واخوته ، وأخذت خودا سبيّة ، وكانت تتألم مما حدث لأنها لم تطع أختها عثمة ، فتزوجها رجل دميم الخلقة من بني مالك بن كنانة على أن يمنعها من ذئاب العرب ففعلت .
قصة المنافرة بين جرير بن عبدالله وخالد بن أرطأة الكلبي
كانت قبيلة كلب بن وبرة قد اصابت رجلا من بجيلة وذلك في الجاهلية ، وهذا الرجل إسمه مالك بن عتبة وهو من بني عادية احدى بطون بجيلة ، فوافوا به عكاظ ، وكان مالك في طريقه قد مر بابن عم له يقال له القاسم بن عقيل العادي فتناول عنده بعض من تمرات ليتحرم بها ، فجذبه الكلبي ، فقال القاسم إنه رجل من عشيرتي ، فرد الكلبي قائلا : لوكان له عشيرة لمنعته . فثارت ثائرة القاسم فانطلق إلى حيث بجيلة ، فأتى إلى بني عمه وهم بنو زيد بن الغوث فقالوا له إنا متقطعون في العرب وليس لنا جماعة نقوى بها . وانطلق إلى أحمس فقالوا : أو كلما ذهبت وبرة من زيد في العرب أردنا أن نتبعها؟ فانطلق إلى جرير بن عبدالله البجلي في بني قسر فكان القاسم يقول: إن أول يوم أريت فيه الثياب المصبغة والقباب الحمر اليوم الذي جئت فيه جريراً في قسر .
فدعاهم في انتزاع العادي من كلب فتبعوه، فخرج جرير بقبيلته يمشي بهم حتى هجم على منازل كلب بعكاظ، فانتزع منهم مالك بن عتبة العادي، وقامت كلب دونه، فقال جرير: زعمتم أن قومه لا يمنعونه فقالت كلب: إن جماعتنا خلوف. فقال جرير: لو كانوا لم يدفعوا عنكم شيئاً. فقالوا: كأنك تستطيل على قضاعة . . إن شئت قايسناكم المجد - وزعيم قضاعة يومئذ: خالد بن أرطاة بن خشين بن شبث - فقال جرير : ميعادنا من قابل سوق عكاظ .
فجمعت كلب وجمعت قسر فتوافوا في عكاظ وكان هناك رهاتن على ايدي رجال منهم أشراف قريش ، ثم قام خالد بن أرطاة فقال لجرير: ما تجعل؟ قال: الخطر في يدك. قال: ألف ناقة حمراء في ألف ناقة حمراء. فقال جرير: ألف قينة عذراء في ألف قينة عذراء، وإن شئت فألف أوقية صفراء لألف أوقية صفراء .
قال: من لي بالوفاء؟ قال: كفيلك اللات والعزى وإساف ونائلة وشمس ويعوق وذو الخلصة ونسر. فمن عليك بالوفاء؟ قال: ود ومناة وفلس ورضا. قال جرير: لك بالوفاء سبعون غلاماً معماً مخولاً يوضعون على أيدي الأكفاء من أهل الله. فوضعوا الرهن من بجيلة ومن كلب على أيدي الحكام ، وحكموا الاقرع بن حابس التميمي وكان من دهاة زمانه .
فقال الأقرع: ما عندك يا خالد؟ فقال: نحن ننزل البراح، ونطعن بالرماح، ونحن فتيان الصباح.
فقال الأقرع: ما عندك يا جرير؟ قال: نحن أهل الذهب الأصفر، والأحمر المعصفر، نخيف ولا نخاف، ونطعم ولا نستطعم، ونحن حيٌ لقاح، نطعم ما هبت الرياح، نطعم الشهر ونضمن الدهر، ونحن الملوك لقسر .
فقال الأقرع: واللات والعزى، لو فاخرت قيصر ملك الروم، وكسرى عظيم فارس، والنعمان ملك العرب، لنفرتك عليهم. وأقبل نعيم بن حجبة النمري - وقد كانت قسر وفدته بفرس إلى جرير، فركبه من قبل وحشيه ، فقيل : لم يحسن أن يركب الفرس. فقال جرير: الخيل ميامن، وإنا لا نركبها إلا من وجوهها .
وكان لعمرو بن الخثارم في ذلك أبياتا جميلة إن شاء الله نأتي على ذكرها لاحقا .
قصة أسد بن كرز عندما ساند جرير في سوق عكاظ
لما أتى خبر جرير وقصة منافرته لقبيلة كلب إلى أسد بن كرز البجلي هب إليه منجدا ومعاونا في فرسان قومه ، ولما ورد على سوق عكاظ قال قائل : إنما اتى اسدا محاربا لابن عمه جرير فلما رآه جرير ورآى اصحابه في السلاح ارتاع وخافه فقيل له : هذا أسد جاءك ناصرا لك ، فقال جرير : ليت لي بكل بلد ابن عم عاق مثل أسد .
شق الكاهن
شق بن صعب بن يشكر بن رهم البجلي ، من معاصري الكاهن سطيح في الجاهلية وقد عاش الى مابعد ولادة النبي صلى الله عليه وسلم . وله أخبار كثيرة واقوال ماثورة .
نكتفي بهذا القدر من تاريخ القبيلة في العصر الجاهلي .
تاريخ القبيلة في عصر صدر الإسلام
عندما نزل الوحي المقدس من الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وعندما صدع النبي بأمر ربه ، وفدت القبائل من كل حدب وصوب معلنة إسلامها الا بعضا منها ، وكانت قبائل بجيلة من تلك القبائل الوافدة بفضل من الله عز وجل . وقد ورد في المراجع أن بجيلة كان لها أكثر من وفادة على النبي صلى الله عليه وسلم ، منها ماكان في جماعة ومنها ماكان بانفراد وسنذكر أمثلة على ذلك على النحو التالي
*وفادة جرير بن عبدالله البجلي
في السنة العاشرة من الهجرة إنطلق جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه من بلاد قومه بجيلة إلى حيث النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة ، وكان معه من قومه مائة وخمسون رجلا ، وفي يوم من الايام وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يختطب بالناس قال : يطلع عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك ، فطلع جرير على راحلته ومعه قومه ، فأسلموا وبايعوا .
*وفادة قيس بن عزرة الأحمسي البجلي
وفي نفس السنة قدم قيس بن عزرة البجلي ومعه من قومه مائتين وخمسون رجلا من أحمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنتم؟ فقالوا نحن أحمس ، فقال النبي : وأنتم اليوم كذلك لله ، وأمر بلال أن يعطي ركاب البجليين وأن يبدأ بالأحمسيين .
*وفادة أسد بن كرز البجلي
وفد أسد بن كرز بن عامر بن عبد الله البجلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان معه رجل من ثقيف ، فأهدى أسد الى النبي قوسا ، وهذا القوس مصنوع من احدى الاشجار في جبال بجيلة ، فأراد الثقفي أن ينسب الجبل إليهم ولكن النبي قال هو جبل قسر وبه سمي والدهم .
النبي يرسل جريرا لتحطيم ذا الخلصة
بعد وفادة جرير وقومه إلى المدينة ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن أحوال الناس والقبائل ، ومن جملة هذه الأسئلة سؤال عن صنم ذي الخلصة ، فقال جرير هو على حاله قد بقي والله مريح منه إن شاء الله . فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى تحطيمه ، وعقد له لواء فقال إني لا أثبت على الخيل فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدره وقال اللهم اجعله هاديا مهديا فخرج في قومه وهم زهاء مائتين فارسا .
ماكان من جرير وقومه في هدم الصنم
امتثل جرير لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى تحطيم ذاك الصنم المسمى بصنم ذو الخلصة ، فتعرضت له بعض القبائل ولكنه استطاع أن يهزمها واستطاع أن يحطم ذلك الصنم وأن يحرقه ، وبعد ذلك قام بإرسال البشرى إلى النبي وقد تكلف بهذه المهمة رجل إسمه حصين بن ربيعة الاحمسي البجلي حيث ورد عليه وقال : فقال : والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجرب . فبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم خيل أحمس ورجالها .
النبي يرسل جرير إلى ذي الكلاع وذي عمرو
نظرا لثقة النبي صلى الله عليه وسلم الكبيرة بجرير وإعجابه بشخصية هذا الرجل إستعمله لعدد من المهمات العظيمة ، ومن ذلك أنه أرسله إلى ذي الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبّع الحمْيري ملك حمْير وإلي ذي عمرو يدعوهما إلى الإسلام فأسلما ، وأسلمت زوجة ذي الكلاع وإسمها ضريبة بنت أبرهة بن الصباح ، وقد ورد أن النبي توفي وجرير عندهم ، ولما وصله خبر الوفاة إنطلق إلى المدينة . كما ورد أن جرير ارسل إلى ذي ظليم وذي أمران .
وساطة بجيلة لثقيف أمام رسول الله
لما علم صخر بن العيلة الأحمسي البجلي بغزو النبي لقبيلة ثقيف ، ركب في خيل لمساندته ، ولما وصل وجد النبي قد انصرف ولم يفتح . فقطع صخر عهدا على نفسه بألا يبرح المكان حتى ينزلون ثقيف على حكم رسول الله ، ففعلوا ذلك ، فكتب الى النبي بجواب فيه يبشره بإسلام ثقيف ، وأنه مقبل بهم في خيله . فأمر النبي بالصلاة جامعة ودعا لأحمس عشر مرات : اللهم بارك لأحمس في خيلها ورجالها .
نكتفي بهذا القدر من تاريخ القبيلة في عصر صدر الإسلام ، والآن ننتقل إلى العصر الذي يليه .
تاريخ القبيلة في عصر الخلفاء الراشدين
1/ تاريخهم في عهد أبو بكر
*قتال أهل الردة
لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام إرتدت بعض القبائل عن الإسلام ومنها من ثبت عليه ، ولما أن تأثرت بعض قبائل اليمن بدعوات الأسود العنسي الذي إدّعى النبوة ، أمر أبو بكر رضي الله عنه جريرا البجلي أن يرجع إلى قومه وأن يستنفر منهم من ثبت على الإسلام وأن يقاتل بهم فلول المرتدين ، فامتثل جرير لذلك ، وسار إلى حيث يوجد الأسود العنسي والذي كان له إقامة فيما يُعرف الآن بالمخواة ، فعندما علم بقدوم جرير فرّ هاربا إلى اليمن ، وحث جرير في المسير حتى أتى خثعما فقاتل من ثار غضبة لذي الخلصة وقتلهم .
ثم أخذ جرير وقومه في المسير لايقاتلهم أحد إلا قاموا له وقتلوه ، حتى وصلوا إلى منطقة نجران لمساندة المهاجر بن أمية الذي بعثه أبو بكر لقتال المرتدين من أهل اليمن .
*ردة فعل قيس بن المكشوح عندما علم بوفاة النبي
ورد في بعض المراجع أن قيسا هذا قد ارتد عن الإسلام ، وإن كنت أشكك في ذلك فلقد ورد عند ابن منظور أن قيسا كان يسعى لقتل الأسود العنسي ونيل هذا الشرف ، فحصل له ماتمنى ولكن في قصة غامضة . اتفق قيس وفيروز وداذويه -وهما من الأبناء- على قتل العنسي فدخلا عليه في خطة مدبرة فقام قيس باحتزاز رأسه ، بعد ان تركوا فيروزا يحرس بابه وداذويه يجثم على صدره .
فكان هذا الخبر مفرحا للمهاجر بن أمية فقام بدخول صنعاء ، ويحاذيه من أماكن أخرى جرير بن عبدالله بقومه بجيلة ومن معهم من الأزد ، وكان لقيس في ذلك أبيات وهي على النحو التالي
ضربته بالسيـف ضـرب الأسفـان
................. ضرب امرئ لم يخشى عقبى العدوان
مـن زبـر شيطـان ولا سلطـان
........................... فمـات لا يبكيـه مـنـا إنـسـان
نشـوان لا يعقـل وهـو يقـظـان
........................ ضـل نبـي مـات وهـو سكـران
وورد أيضا أنه بعد الإنتهاء من هذه المهمة سعى قيس إلى قتل فيروز وداذويه وذلك بعد أن تنازعوا في قتل العنسي ، فادعى البعض أنه قتل داذويه ولم يدرك فيروزا ، وبقيت بينهما شحناء بغيضة حتى تدخل المهاجر بن أمية فأصلح بينهما ، وفي ذلك يقول قيس
زعم ابن حمراء القصاص بأنه
.................... قتل ابن كعب نائمـاً نشوانـا
كلا وذي البيت الذي حججت له
................. شعث المفارق تمسح الأركانا
لأنـا الـذي نبهتـه فقتلتـه
....................... ولقـد تكبـد قائمـاً يقظانـا
فعلوتـه بالسيـف لا متهيبـاً
................... مما يكون غداً ولا مـا كانـا
فانصاع شيطان لكعب هاربـاً
.................... عنـه وأدبرممعنـاً شيطانـا
*موقف أبو بكر رضي الله عنه من قيس بن مكشوح
كان لقيس شأن عظيم في الإسلام ، فهو أحد فرسان العرب وشجعانهم ، فقد إستدعاه أبو بكر في ذات يوم وقال له : قد كنا نسمع أنك سائس حرب ، وذلك في زمان الشرك والجاهلية الجهلاء ، ليس فيها إلا الإثم والكفر فاجعل بأسك اليوم في الإسلام على من كفر بالله . فرد عليه قيس وقال : إن بقيت وبقيت لك فسيبلغك من حيطتي على المسلم ، وجهادي المشرك ما يسرك ويرضيك . ولقد وفى قيس بكلامه هذا ولقد بلغ ابو بكر ماكان منه في حروب الروم الشهيرة فقال : صدق قيس ووفى .
*جرير بن عبدالله يساند سعيد بن العاص في الشام
بعد الإنتهاء من حروب الردة قام جرير بأمر من أبي بكر بالاتجاه إلى بلاد الشام لمساندة سعيد بن العاص ، ومن ثم إتجه إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه في العراق وذلك بعد فتح الحيرة ، فاستأذنه أن يذهب إلى بكر ليجمع له قومه من بجيلة والذين كانوا متفرقين في العرب بسبب الحروب الطاحنة التي تحدثنا عنها في البداية . وكان جرير قد أخذ وعدا من النبي في جمع قومه ، ولكن أبا بكر بين له إنشغاله بقتال المشركين ، فرده إلى خالد بن الوليد .
*معارك شارك فيها جرير بن عبدالله مع خالد بن الوليد
شارك جرير بن عبدالله مع خالد بن الوليد في بعض المعارك ومنها : معركة الأنبار ومعركة عين التمر ودومة الجندل ومعركة حصيد والخنافس ومعركة مصيخ ووقعة الثني والزميل وغيرها من المعارك . ولجرير في هذه المعارك مواقف مشهودة حيث إستطاع إصابة عبد العزى بن أبي رهم بن قرواش من النمر .
2/ تاريخهم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
*جرير يجمع قومه بأمر من عمر
بعد وفاة ابو بكر الصديق رضي الله عنه ، وبعد أن قاتل جرير بن عبدالله إلى جانب خالد بن الوليد في الشام ، قدم إلى عمر بن الخطاب وقد تسلم الخلافة ، فاستأذنه أن يجمع قومه الذين فرقتهم الحروب بين القبائل ، وقال بأن رسول الله قد وعده بذلك ، فوافق عمر وكتب إلى عماله في الأمصار ، بأنه من كان من بجيلة في الجاهلية وثبت عليه في الإسلام أن يخرج إلى جرير في بلاد بجيلة ، فخرج منهم الكثير .
*قتال بجيلة ضد مرزبان المدائن والفرس
لما أتى خبر وقعة الجسر إلى عمر بن الخطاب ، أرسل إلى بجيلة ببلادهم يأمرهم بالمسير إلى حيث المسلمين في العراق ، فاتجهوا إلى عمر ومن هناك شيّعهم واتجهوا إلى حيث أمروا من البلاد ، ولما وصل جرير وقومه البالغ عددهم قرابة الثلاثة آلاف ، علم بذلك مرزبان الفرس وكان معه عشرة آلاف من فارس من الأساورة ، فأشاروا بجيلة على جرير بأن يعبر بهم نهر دجلة لقتال الفرس ، ولكن جرير أحجم عن هذه الفكرة حتى لايتكرر ماحصل في الجسر ، وفي احدى الايام عبر الفرس هذا النهر ، فهاجمهم جرير وقومه حتى قتلوهم وهزموهم شر هزيمة .
*قتال بجيلة في معركة البويب
بعد هزيمة الأساورة في نهر دجلة ، سار جرير وقومه إلى المثنى بن الحارثة مساندا له في معاركه ، وشكلا بذلك جيشين ، حتى التقوا بجيوش مهران الجرارة ، فحدث بينهما قتال شديد وطويل ، وفي خضم المعركة أدرك جرير مهران فضربه بسيفه ضربة قوية جعلته لايقوى على الدفاع ، فجاء حسان بن المنذر الضبي واحتز رأسه ، وفاز جرير بمنطقته وسَلَبه .
*رسالة جرير إلى عمر بالمدينة
بعد هذه المواقف العظيمة والانتصارات الساحقة ، قام جرير بن عبدالله بإرسال سبيع بن زهير البجلي إلى المدينة ليبلغ عمر بذلك ، فجعل الناس يسألون سبيع ماتركت وراءك؟ قال : تركت بجيلة يهيلون الذهب هيلا . فكبر الناس وكبر عمر مرارا وحرضهم على اللحاق بجرير . وفي ذلك يقوم الشاعر عبيد بن عمرو البجلي
تلك بجيلة قومي ان سألت بهم
................. قادوا الجياد وفضوا جمع مهرانا
فسائل الجمع يوم القادسية عن
................. قومي ومن شهد اليرموك عينانا
وبالبجيلة قـد لاقـوا كتائبهـا
................. رجلا يسيل بهم سيلا وفرسانـا
فهزم الله جمع المشركين بهـم
.................. يوما دوائر شيطانـا فشيطانـا
((بني مالك بجيلة أمجاد سامقة وحضارة مشرقة))
نسب القبيلة
بالعودة إلى المراجع يجد الباحث أن النسابين اختلفوا في نسب هذه القبيلة ، والاختلاف كان في نسب الأب فقط ، فمنهم من نسبه إلى قحطان ومنهم من نسبه إلى عدنان وهذا هو الراجح بالنسبة لي ، وأنا لست بصدد سرد أسماء المؤلفين في كلا القولين ولكنني سأذكر المحصلة النهائية في ذلك على النحو الآتي
1/ إذا مانُسبوا إلى قحطان فهم : بنو أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان .
2/ إذا مانُسبوا إلى عدنان فهم : بنو أنمار بن نزار بن معد بن عدنان .
أكتفي بهذه المحصلة ومن أراد التوسع فبإمكانه العوده إلى المشاركات القديمة أو العودة إلى المراجع المعروفة وهناك إن شاء الله يجد الكثير من التفاصيل في القولين كليهما .
* نسب الأم بجيلة / لم يختلف عليه إثنان ، وقد يقع البعض في خطأ عندما يسأل عن نسب القبيلة ، فيقول هل بجيلة من عدنان ام من قحطان؟ وهو يقصد بني مالك ، فكما قلنا الاختلاف لم يكن إلا في نسب الأب أنمار . ونعود لنسب الأم فهي بجيلة بنت صعب ابن سعد العشيرة وهي من قحطان .
تاريخ القبيلة في العصر الجاهلي
في العصر الجاهلي تكاد تكون الأحوال متشابهة بين القبائل ، فهي أجواء يغلب عليها الحروب والثأر والغزو ، إلا أنها كانت غنيّة بالأخلاق الحميدة ومنها ما أقرّه الإسلام مثل الكرم والشجاعة وحماية الجار وما إلى ذلك . وقد احتضنت المراجع عددا من المواقف التاريخية للقبيلة نذكر لكم بعضا مماحصلنا عليه .
1/ ديارهم وأماكن نزولهم
في ذلك قولين عطفا على الاختلاف في النسب هل هم من عدنان أم من قحطان ، وبما أنني أرجح إنتسابهم الى عدنان فإن حديثي سيكون في هذه الحدود . فلقد كان أنمار مع إخوته مضر وإياد وربيعة في مكة المكرمة ، فلما أن غلبت مضر على رئاسة وسدانة البيت ، وخرج إياد بذريته إلى أرياف العراق ، وسار ربيعة ببنيه إلى نجد وأرياف الشام والجزيرة ، مضى أنمار بأبنائه إلى السروات وتهامة من بلاد اليمن ، وحسبوا من القبائل اليمنية .
عندما نزلوا بالسراة تحول جزء منهم إلى مناطق تهامة ، وهم ابناء قسر بن عبقر ، فسكنوا في أودية حلية وحقال وأسالم وماجاورها من الأودية والجبال ، ولقد كانت هذه الأراضي تحت ملك إحدى القبائل العربية القديمة وإسمها (ثابر) فحاربتها قبائل قسر فأجلتها عن ديارها إلى ماشاء الله ، وكذلك الحال مع قبيلة خثعم أقرب القبائل نسبا إلى بجيلة . وفي ذلك يقول الشاعر البجلي سويد بن جدعة من بني أفصى بن نذير
ونحن أزحنا ثابرا عـن بلادهـم
...................... وحليٌ أبحناها فنحـن أسودهـا
إذا سنة طالـت وطـال طولهـا
...................... وأقحط عنها القطر واسودّ عودها
وجدنا سـراة لايحـول ضيفنـا
...................... إذا خطـة تعيـا بقـوم نكيدهـا
ونحن نفينا خثعما عـن بلادهـا
...................... نقتل حتى عاد مولـى شريدهـا
فريقين فريق باليمامـة منهـم
...................... وفريق بخيف الخيل تترى خدودها
والشاعر عمرو بن الخثارم البجلي يقول
نفينا كأنا ليـث دارة جلجـل
..................... مدلّ علـى أشبالـه يتهمهـم
فماشعروا بالجمع حتى تبينـوا
................... بنية ذات النخـل مايتصـرّم
شددنا عليهم والسيوف كأنهـا
................... بأيماننـا غمامـة(ن) تتبسّـم
وقاموا لنا دون النساء كأنهـم
.............. مصاعيب زهر جللت لم تخطم
ولم ينج الا كل صعل هزلـج
............... بخفف من اطماره فهو محرم
ونلوي بأنمار ويدعون ثابـرا
............... على ذي القنا ونحن والله أظلم
حبيبيّة قسريـة(ن) أحمسيـة
................. إذا بلغوا فرع المكارم تممـوا
منحنا حقال آخر الدهر قومنا
............... بجيلة كي يرعوا هنيئا وينعموا
فأصبحت تلك هي بلادهم في مناطق تهامة واما في السراة فإلى أعالي وادي تربة . فكانت ايديهم جامعة وكلمتهم واحدة ، يغزون من يليهم ويحمون دخيلهم ويكرمون ضيوفهم .
2/ قصة الحرب التي وقعت بين أحمس وزيد
أحمس ابن الغوث ابن أنمار ، وزيد بن الغوث ابن أنمار ، بطنين من بطون بجيلة . فلقد وقعت بينهما حربُ دامية طال أمدها ، حتى كانت الغلبة لقبيلة زيد ، فقتلت أحمسا حتى لم يبقى منهم إلا أربعون غلاما ، فأخذهم عوف بن أسلم الأحمسي فذهب بهم إلى قبيلة بني الحارث بن كعب فنزلوا معهم وجاوروهم ، وبقيوا إلى أن قويت شوكتهم ، فأغاروا ببني الحارث على قبيلة زيد فقتلوهم ونفوهم عن ديارهم ، ولم يبقى منهم الا القليل فرجعت أحمسا إلى ديارها .
3/ قصة الحرب التي وقعت بين بطون قسر
كانت قسر في ديارها ، كلمتهم واحدة وأيديهم جامعة ، حتى مرت بهم حدأة ، فقال رجل من بني عرينة بن نذير بن قسر بن عبقر : أنا لهذه الحدأة جار ، فعرفت بالعرني أو العريني ونسبت إليه ، فلبثت حينا ثم إنها وجدت مقتولة وفيها سهم رجل من بني أفصى بن نذير بن قسر بن عبقر ، فأغارت عرينة على بني أفصى فقتلوا صاحب السهم ، ثم إن أفصى استجمعت قواها فالتقوا في مكان ما ، فتقاتلوا قتالا شديدا ، وفي آخر المطاف انتصرت عرينة على بني أفصى فقتلوهم إلا بقية منهم ، وعندما ظهر الإسلام عادت بطون قسر الأخرى فقاتلت عرينة فقتلوها حتى نفوها عن مساكنها . وفي ذلك يقول الشاعر عوف بن مالك بن ذبيان البجلي
وحدثت قومي أحدث الدهر بينهم
................... وعهدهـم بالنائبـات قـريـب
فأن يك حقا ما أتانـي فإنهـم
................... كـرام إذا مالنائبـات تـنـوب
فقيرهم مدني الغنـي وغنيّهـم
................... لـه ورق للمتعففيـن رطيـب
ونبئت قومي يفرحون بهلاكهم
............... سيأتيهم من المنديات نصيـب
تفرق بطون بجيلة وسبب ذلك التفرق
بسبب الحروب الطاحنة التي دارت بين بطون بجيلة ، تفرقوا في القبائل العربية فأصبحوا فيها متقطعين ، وهذا التفرق كان على النحو الآتي
*لحقت قبيلة عرينة بن قسر بن عبقر ببني جعفر بن كلاب وعمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة فنزلوا معهم
*لحقت قبيلتا غانم ومنقذ من قبائل عرينة بقبيلة كلب بن وبرة فنزلوا معهم
*لحقت قبيلة موهبة بن الربعة من قبائل عرينة ببني سليم فنزلوا معهم
*لحقت بعض بيوتات عرينة ببني تميم
*لحقت قبائل سحمة من ابناء الغوث بن أنمار ببني عامر بن صعصعة
*لحقت قبائل نصيب بن عبدالله من ابناء الغوث ببني عامر أيضا
*لحقت قبيلة بنو أبي مالك بن سحمة ببني الوحيد بن كلاب وبني عمرو بني كلاب
*لحقت قبيلة بنو أبي أسامة بن سحمة ببني عمرر بن كلاب ومعاوية بن الضباب
*لحقت قبيلة عادية من ابناء الغوث بن أنمار ببني عامر بن صعصعة
*لحقت قبيلة بنو فتيّان بن ثعلبة ببني الحارث بن كعب
*لحقت قبيلة جشم بن عامر بن قداد ببني الحارث بن كعب أيضا
*لحقت قبيلة قيس كُبة ببني جعفر بن كلاب
*لحقت قبائل بنو منبه بن رهم بن معاوية ببني سدوس بن شيبان في البحرين
*لحقت بعض البيوتات من قبيلة العتيك ببني سدوس ايضا
*لحقت بعض البيوتات من قبيلة العتيك بأرض عمان
*لحقت جل قبيلة العتيك بارض نجران مجاورين لبني الحارث بن كعب
*لحقت قبيلة الجلاعم من بني سحمة بأرض مابين البحرين واليمامة
*لحقت طائفة من قبيلة بني محلم ببني محلم بن ذهل بن شيبان وبقي منهم طائفة في بجيلة
فأصبحوا متفرقين بعد أن كانوا أعزاء ، وذلك بسبب مادار بينهم من حروب ومعارك ، وفي هذا التفرق الفضيع يقول احد شعرائهم
لقد فُرقتم فـي كـل أوب
................ كتفريق الإله بنـي معـد
وكنتم حول مروان جلوسا
............... جميعا أهل مأثـرة وجـد
ففرق بينكم يوم عبـوس
............. من الأيام نحس غير سعد
مشاركة بطون بجيلة في معركة جبلّة التاريخية
نظرا لأن الكثير من بطون بجيلة قد لحقت ببني عامر بن صعصعة ، فلقد كانوا مساندين لهم في يوم جبلّة ، وكان لهم أثر كبير في ذلك ، ولقد قال كبراء بجيلة بأن مغراء العريني البجلي هو الذي قتل لقيط بن زرارة ، وفي ذلك يقول شاعرهم
ومنا الذي أردى لقيطا برمحـه
غداة الصفاء وهو الكميّ المقنع
بجيّاشة كبّـت لقيطـا لوجهـه
وأقبـل منهـا عائـد يتدفـع
حرب بجيلة مع قبيلة سليم
كانت هذه الحرب بين قبيلة أحمس من بجيلة مع قبيلة سليم ، حيث أغار عمرو بن الحصين الأحمسي عليهم وكان ذلك في الجاهلية ، فخرجوا سليم في طلبه ، فالتقوا بمكان ما هناك وإسمه (الشقرة) وهو بالقرب من جبل سنام بالحجاز ، فحدث بينهما قتال شديد إنتهى بانتصار أحمس ، وفي ذلك يقول الأزور البجلي
لقد علمت بجيلة أن قومي
.................... بني سعد أولي حسب كريم
هم تركوا سراة بني سليم
..................... كأن رؤوسهم فلق الهشيم
بكل مهند وبكـل عضـب
..................... تركناهم بشقرة كالرميـم
وأنا قد قتلنا الخير منهـم
.................... وآبو موترين بلا زعيـم
كرز البجلي يناصر قيس بن الخطيم على الخزرج
خرج قيس بن الخطيم بن عدي بن عمرو إلى كرز البجلي ، طالبا منه النصرة على الخزرج وكان ذلك في الجاهلية ، فلما أجابه كرز قال فيه مادحا
فإن تنزل بذي النجدات كرز
...................... تلاق لديه شربا غير نـزر
له سجلان سجل من صريح
....................... وسجل رثيئته بعتيق خمـر
ويمنع مـن أراد ولايعايـا
...................... مقاما في المحلة وسط قسر
أسد بن كرز البجلي وقصته مع الجار
أسد بن كرز البجلي ، من فرسان بجيلة المعدودين ، وقد لقب برب بجيلة وذلك لأنه حرّم الخمر في الجاهلية ، وقد كان لأسد سلطة على قبيلته ، وفي يوم من الأيام جاء رجل فنزل بدياره جارا له ، وكان مع هذا الرجل إبلا كثيرة ، فقامت إحدى القبائل بالتعرض له فلما وصل الخبر إلى اسد هب لقتالهم ، فأوقع بهم موقعة عظيمة ، فأخذ حق جاره ، وكان أسد شاعرا وفي ذلك يقول
ألا أبلغـا بنـي سحمـة كلهـا
..................... بني سحمة مني وسحقا لخثعـم
فما أنتـم منـي ولا أنـا منكـم
................... فراش حريق العرفج المتضـرّم
فلست كمن تزري المقالة عرضه
...................... دنيئا كعـود الدوحـة المترنـم
وماجار بيتـي بذليـل فترتجـي
................... ظلامته يومـا ولا المتهضمـي
وأقزل آبائي وقسـر عمارتـي
................... هما رديانـي عزتـي وتكرمـي
وأحمس يوما إن دُعيت أجابنـي
................... عرانين منهم أهـل يـد وأنعـم
فمن جار مولى يدفع الضيم جاره
............. إذا ضاع جاري يا أميمة أو دمي
فكيف يخاف الضيم من كان جاره
............... مع الشمس ما إن يُستطاع بسلّم
المكشوح البجلي وقصة قتل عمرو بن أمامة
المكشوح البجلي من فرسان بجيلة الاشداء وقد كان حليفا لبني مراد ، ولذلك يقال عنه أحيانا المكشوح المرادي ، ولما نزل عمرو بن أمامة بن المنذر بن ماء السماء ببني مراد مرغما لأخيه عمرو بن هند ، أخذ في التجبر عليهم وعدم ولم يحسن المعاملة ، حتى أن المشكوح لم يطق منه ذلك التعامل ، فقام بقتله وله في ذلك أبيات حيث يقول
نحن قتلنا الكبش إذ ثرنا به
................. بالخل من مرجح إذ قمنا به
بكل سيف جيد يعصى بـه
................ يختصم الناس على إغترابه
قصة قتل عمرو بن كلاب وسعد بن الأشرس
كانا منادمان لتأبط شرا ، وعرف عنهم سرعة العدو وذلك ساعدهم على غزو القبائل وأخذ مالديهم ، ولهم مع بجيلة قصص كثيرة ومنها غزوهم على قبيلة العوص ، فوجدوا لهم بعضا من الأنعام فأخذوها ، ولما علم فرسان العوص بذلك هبوا لمطاردتهم حتى حجزوهم على رأس جبل ومعهم تأبط شرا ، فكانت النتيجة أن قتل عمرو وصاحبه ابن الاشرس ، واما تأبط شرا فقد نجى وله في ذلك أبيات حيث يقول
ألا تلكما عرسي منيعـة ضمنـت
................. مـن الله إثمـاً مستسـا وعالـنـا
تقول: تركت صاحباً لك ضائعـاً
.................. وجئـت إلينـا فارقـاً متباطـئـا
إذا ما تركـت صاحبـي لثلاثـة
............... أو اثنتين مثلينا فـلا أبـت آمنـا
وما كنت أباء على الخل إذا دعـا
............ ولا المرء يدعوني ممـراً مداهنـا
وكري إذا أكرهت رهطـاً وأهلـه
........ وأرضاً يكون العوص فيها عجاهننا
ولما سمعت العوص تدعو تنفـرت
........... عصافير رأسي من غـواة فراتنـا
ولم أنتظـر أن يدهمونـي كأنهـم
............... ورائي نحـل فـي الخليـة واكنـا
ولا أن تصيب النافـذات مقاتلـي
................. ولـم أك بالشـد الذليـق مدايـنـا
فأرسلت مثنياً عـن الشـد واهنـا
.............. وقلت تزحـزح لا تكونـن حائنـا
وحثحثت مشعوف النجـاء كأنـه
........... هجف رأى قصراً سمالاً وداجنـا
من الحص هرروف يطير عفـاؤه
............. إذا استدرج الفيفـا ومـد المغابنـا
أزج زلـوج هزرفـي زفــازف
............. هزف يبـد الناجيـات الصوافنـا
فزحزحت عنهم أو تجئني منيتـي
........... بغبراء أو عرفاء تفـري الدفائنـا
كأني أراها المـوت لا در درهـا
................ إذا أمكنـت أنيابـهـا والبراثـنـا
وقالت لأخـرى خلفهـا وبناتهـا
............ حتوف تنقي مخ من كـان واهنـا
أخاليـج وراد علـي ذي محافـل
........... إذا نزعوا مدوا الـدلا والشواطنـا
أم خارجة البجلية أم للكثير من بطون العرب
عمرة بنت سعد بن عبد الله بن قداد بن ثعلبة البجلي ، كانت من شريفات النساء في الجاهلية ومن أجملهن ، وكان يضرب بها المثل في سرعة الزواج ، حيث تزوجت نيّفا واربعين زوجا ولذلك هي أم للكثير من القبائل العربية ، وكان لايتزوجها إلا كبار القوم . وبشكل عام فلقد كنّ نسوة بجيلة من أجمل نساء العرب ، حتى أنهم تزوجن في الكثير من القبائل .
ترى الفتيان كالنخل ومايدريك مالدخل
هذه القصة حدثت لإحدى نساء بجيلة التي إشتهرت بالجمال ، وإسمها خود بنت مطرود البجلي وكان لها أخت جميلة وحكيمة إسمها عثمة ، ففي يوم من الأيام أتى سبعة رجال من الأزد من غامد ، وكان يبدو عليهم حسن المنظر والهيئة ، فذهبت خود لمشاورة أختها عثمة ، فأشارت عليها بأن تتزوج في قومها وألا تنخدع بالاشكال وقالت المقولة الشهيرة (ترى الفتيان كالنخل ومايدريك مالدخل) ولكن خودا وافقت على الزواج من أحدهم . وفي أحدى الأيام أغار بنو مالك بن كنانة على الأزد هؤلاء فهزموهم وانكشف زوج خود واخوته ، وأخذت خودا سبيّة ، وكانت تتألم مما حدث لأنها لم تطع أختها عثمة ، فتزوجها رجل دميم الخلقة من بني مالك بن كنانة على أن يمنعها من ذئاب العرب ففعلت .
قصة المنافرة بين جرير بن عبدالله وخالد بن أرطأة الكلبي
كانت قبيلة كلب بن وبرة قد اصابت رجلا من بجيلة وذلك في الجاهلية ، وهذا الرجل إسمه مالك بن عتبة وهو من بني عادية احدى بطون بجيلة ، فوافوا به عكاظ ، وكان مالك في طريقه قد مر بابن عم له يقال له القاسم بن عقيل العادي فتناول عنده بعض من تمرات ليتحرم بها ، فجذبه الكلبي ، فقال القاسم إنه رجل من عشيرتي ، فرد الكلبي قائلا : لوكان له عشيرة لمنعته . فثارت ثائرة القاسم فانطلق إلى حيث بجيلة ، فأتى إلى بني عمه وهم بنو زيد بن الغوث فقالوا له إنا متقطعون في العرب وليس لنا جماعة نقوى بها . وانطلق إلى أحمس فقالوا : أو كلما ذهبت وبرة من زيد في العرب أردنا أن نتبعها؟ فانطلق إلى جرير بن عبدالله البجلي في بني قسر فكان القاسم يقول: إن أول يوم أريت فيه الثياب المصبغة والقباب الحمر اليوم الذي جئت فيه جريراً في قسر .
فدعاهم في انتزاع العادي من كلب فتبعوه، فخرج جرير بقبيلته يمشي بهم حتى هجم على منازل كلب بعكاظ، فانتزع منهم مالك بن عتبة العادي، وقامت كلب دونه، فقال جرير: زعمتم أن قومه لا يمنعونه فقالت كلب: إن جماعتنا خلوف. فقال جرير: لو كانوا لم يدفعوا عنكم شيئاً. فقالوا: كأنك تستطيل على قضاعة . . إن شئت قايسناكم المجد - وزعيم قضاعة يومئذ: خالد بن أرطاة بن خشين بن شبث - فقال جرير : ميعادنا من قابل سوق عكاظ .
فجمعت كلب وجمعت قسر فتوافوا في عكاظ وكان هناك رهاتن على ايدي رجال منهم أشراف قريش ، ثم قام خالد بن أرطاة فقال لجرير: ما تجعل؟ قال: الخطر في يدك. قال: ألف ناقة حمراء في ألف ناقة حمراء. فقال جرير: ألف قينة عذراء في ألف قينة عذراء، وإن شئت فألف أوقية صفراء لألف أوقية صفراء .
قال: من لي بالوفاء؟ قال: كفيلك اللات والعزى وإساف ونائلة وشمس ويعوق وذو الخلصة ونسر. فمن عليك بالوفاء؟ قال: ود ومناة وفلس ورضا. قال جرير: لك بالوفاء سبعون غلاماً معماً مخولاً يوضعون على أيدي الأكفاء من أهل الله. فوضعوا الرهن من بجيلة ومن كلب على أيدي الحكام ، وحكموا الاقرع بن حابس التميمي وكان من دهاة زمانه .
فقال الأقرع: ما عندك يا خالد؟ فقال: نحن ننزل البراح، ونطعن بالرماح، ونحن فتيان الصباح.
فقال الأقرع: ما عندك يا جرير؟ قال: نحن أهل الذهب الأصفر، والأحمر المعصفر، نخيف ولا نخاف، ونطعم ولا نستطعم، ونحن حيٌ لقاح، نطعم ما هبت الرياح، نطعم الشهر ونضمن الدهر، ونحن الملوك لقسر .
فقال الأقرع: واللات والعزى، لو فاخرت قيصر ملك الروم، وكسرى عظيم فارس، والنعمان ملك العرب، لنفرتك عليهم. وأقبل نعيم بن حجبة النمري - وقد كانت قسر وفدته بفرس إلى جرير، فركبه من قبل وحشيه ، فقيل : لم يحسن أن يركب الفرس. فقال جرير: الخيل ميامن، وإنا لا نركبها إلا من وجوهها .
وكان لعمرو بن الخثارم في ذلك أبياتا جميلة إن شاء الله نأتي على ذكرها لاحقا .
قصة أسد بن كرز عندما ساند جرير في سوق عكاظ
لما أتى خبر جرير وقصة منافرته لقبيلة كلب إلى أسد بن كرز البجلي هب إليه منجدا ومعاونا في فرسان قومه ، ولما ورد على سوق عكاظ قال قائل : إنما اتى اسدا محاربا لابن عمه جرير فلما رآه جرير ورآى اصحابه في السلاح ارتاع وخافه فقيل له : هذا أسد جاءك ناصرا لك ، فقال جرير : ليت لي بكل بلد ابن عم عاق مثل أسد .
شق الكاهن
شق بن صعب بن يشكر بن رهم البجلي ، من معاصري الكاهن سطيح في الجاهلية وقد عاش الى مابعد ولادة النبي صلى الله عليه وسلم . وله أخبار كثيرة واقوال ماثورة .
نكتفي بهذا القدر من تاريخ القبيلة في العصر الجاهلي .
تاريخ القبيلة في عصر صدر الإسلام
عندما نزل الوحي المقدس من الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وعندما صدع النبي بأمر ربه ، وفدت القبائل من كل حدب وصوب معلنة إسلامها الا بعضا منها ، وكانت قبائل بجيلة من تلك القبائل الوافدة بفضل من الله عز وجل . وقد ورد في المراجع أن بجيلة كان لها أكثر من وفادة على النبي صلى الله عليه وسلم ، منها ماكان في جماعة ومنها ماكان بانفراد وسنذكر أمثلة على ذلك على النحو التالي
*وفادة جرير بن عبدالله البجلي
في السنة العاشرة من الهجرة إنطلق جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه من بلاد قومه بجيلة إلى حيث النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة ، وكان معه من قومه مائة وخمسون رجلا ، وفي يوم من الايام وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يختطب بالناس قال : يطلع عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك ، فطلع جرير على راحلته ومعه قومه ، فأسلموا وبايعوا .
*وفادة قيس بن عزرة الأحمسي البجلي
وفي نفس السنة قدم قيس بن عزرة البجلي ومعه من قومه مائتين وخمسون رجلا من أحمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنتم؟ فقالوا نحن أحمس ، فقال النبي : وأنتم اليوم كذلك لله ، وأمر بلال أن يعطي ركاب البجليين وأن يبدأ بالأحمسيين .
*وفادة أسد بن كرز البجلي
وفد أسد بن كرز بن عامر بن عبد الله البجلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان معه رجل من ثقيف ، فأهدى أسد الى النبي قوسا ، وهذا القوس مصنوع من احدى الاشجار في جبال بجيلة ، فأراد الثقفي أن ينسب الجبل إليهم ولكن النبي قال هو جبل قسر وبه سمي والدهم .
النبي يرسل جريرا لتحطيم ذا الخلصة
بعد وفادة جرير وقومه إلى المدينة ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن أحوال الناس والقبائل ، ومن جملة هذه الأسئلة سؤال عن صنم ذي الخلصة ، فقال جرير هو على حاله قد بقي والله مريح منه إن شاء الله . فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى تحطيمه ، وعقد له لواء فقال إني لا أثبت على الخيل فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدره وقال اللهم اجعله هاديا مهديا فخرج في قومه وهم زهاء مائتين فارسا .
ماكان من جرير وقومه في هدم الصنم
امتثل جرير لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى تحطيم ذاك الصنم المسمى بصنم ذو الخلصة ، فتعرضت له بعض القبائل ولكنه استطاع أن يهزمها واستطاع أن يحطم ذلك الصنم وأن يحرقه ، وبعد ذلك قام بإرسال البشرى إلى النبي وقد تكلف بهذه المهمة رجل إسمه حصين بن ربيعة الاحمسي البجلي حيث ورد عليه وقال : فقال : والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجرب . فبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم خيل أحمس ورجالها .
النبي يرسل جرير إلى ذي الكلاع وذي عمرو
نظرا لثقة النبي صلى الله عليه وسلم الكبيرة بجرير وإعجابه بشخصية هذا الرجل إستعمله لعدد من المهمات العظيمة ، ومن ذلك أنه أرسله إلى ذي الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبّع الحمْيري ملك حمْير وإلي ذي عمرو يدعوهما إلى الإسلام فأسلما ، وأسلمت زوجة ذي الكلاع وإسمها ضريبة بنت أبرهة بن الصباح ، وقد ورد أن النبي توفي وجرير عندهم ، ولما وصله خبر الوفاة إنطلق إلى المدينة . كما ورد أن جرير ارسل إلى ذي ظليم وذي أمران .
وساطة بجيلة لثقيف أمام رسول الله
لما علم صخر بن العيلة الأحمسي البجلي بغزو النبي لقبيلة ثقيف ، ركب في خيل لمساندته ، ولما وصل وجد النبي قد انصرف ولم يفتح . فقطع صخر عهدا على نفسه بألا يبرح المكان حتى ينزلون ثقيف على حكم رسول الله ، ففعلوا ذلك ، فكتب الى النبي بجواب فيه يبشره بإسلام ثقيف ، وأنه مقبل بهم في خيله . فأمر النبي بالصلاة جامعة ودعا لأحمس عشر مرات : اللهم بارك لأحمس في خيلها ورجالها .
نكتفي بهذا القدر من تاريخ القبيلة في عصر صدر الإسلام ، والآن ننتقل إلى العصر الذي يليه .
تاريخ القبيلة في عصر الخلفاء الراشدين
1/ تاريخهم في عهد أبو بكر
*قتال أهل الردة
لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام إرتدت بعض القبائل عن الإسلام ومنها من ثبت عليه ، ولما أن تأثرت بعض قبائل اليمن بدعوات الأسود العنسي الذي إدّعى النبوة ، أمر أبو بكر رضي الله عنه جريرا البجلي أن يرجع إلى قومه وأن يستنفر منهم من ثبت على الإسلام وأن يقاتل بهم فلول المرتدين ، فامتثل جرير لذلك ، وسار إلى حيث يوجد الأسود العنسي والذي كان له إقامة فيما يُعرف الآن بالمخواة ، فعندما علم بقدوم جرير فرّ هاربا إلى اليمن ، وحث جرير في المسير حتى أتى خثعما فقاتل من ثار غضبة لذي الخلصة وقتلهم .
ثم أخذ جرير وقومه في المسير لايقاتلهم أحد إلا قاموا له وقتلوه ، حتى وصلوا إلى منطقة نجران لمساندة المهاجر بن أمية الذي بعثه أبو بكر لقتال المرتدين من أهل اليمن .
*ردة فعل قيس بن المكشوح عندما علم بوفاة النبي
ورد في بعض المراجع أن قيسا هذا قد ارتد عن الإسلام ، وإن كنت أشكك في ذلك فلقد ورد عند ابن منظور أن قيسا كان يسعى لقتل الأسود العنسي ونيل هذا الشرف ، فحصل له ماتمنى ولكن في قصة غامضة . اتفق قيس وفيروز وداذويه -وهما من الأبناء- على قتل العنسي فدخلا عليه في خطة مدبرة فقام قيس باحتزاز رأسه ، بعد ان تركوا فيروزا يحرس بابه وداذويه يجثم على صدره .
فكان هذا الخبر مفرحا للمهاجر بن أمية فقام بدخول صنعاء ، ويحاذيه من أماكن أخرى جرير بن عبدالله بقومه بجيلة ومن معهم من الأزد ، وكان لقيس في ذلك أبيات وهي على النحو التالي
ضربته بالسيـف ضـرب الأسفـان
................. ضرب امرئ لم يخشى عقبى العدوان
مـن زبـر شيطـان ولا سلطـان
........................... فمـات لا يبكيـه مـنـا إنـسـان
نشـوان لا يعقـل وهـو يقـظـان
........................ ضـل نبـي مـات وهـو سكـران
وورد أيضا أنه بعد الإنتهاء من هذه المهمة سعى قيس إلى قتل فيروز وداذويه وذلك بعد أن تنازعوا في قتل العنسي ، فادعى البعض أنه قتل داذويه ولم يدرك فيروزا ، وبقيت بينهما شحناء بغيضة حتى تدخل المهاجر بن أمية فأصلح بينهما ، وفي ذلك يقول قيس
زعم ابن حمراء القصاص بأنه
.................... قتل ابن كعب نائمـاً نشوانـا
كلا وذي البيت الذي حججت له
................. شعث المفارق تمسح الأركانا
لأنـا الـذي نبهتـه فقتلتـه
....................... ولقـد تكبـد قائمـاً يقظانـا
فعلوتـه بالسيـف لا متهيبـاً
................... مما يكون غداً ولا مـا كانـا
فانصاع شيطان لكعب هاربـاً
.................... عنـه وأدبرممعنـاً شيطانـا
*موقف أبو بكر رضي الله عنه من قيس بن مكشوح
كان لقيس شأن عظيم في الإسلام ، فهو أحد فرسان العرب وشجعانهم ، فقد إستدعاه أبو بكر في ذات يوم وقال له : قد كنا نسمع أنك سائس حرب ، وذلك في زمان الشرك والجاهلية الجهلاء ، ليس فيها إلا الإثم والكفر فاجعل بأسك اليوم في الإسلام على من كفر بالله . فرد عليه قيس وقال : إن بقيت وبقيت لك فسيبلغك من حيطتي على المسلم ، وجهادي المشرك ما يسرك ويرضيك . ولقد وفى قيس بكلامه هذا ولقد بلغ ابو بكر ماكان منه في حروب الروم الشهيرة فقال : صدق قيس ووفى .
*جرير بن عبدالله يساند سعيد بن العاص في الشام
بعد الإنتهاء من حروب الردة قام جرير بأمر من أبي بكر بالاتجاه إلى بلاد الشام لمساندة سعيد بن العاص ، ومن ثم إتجه إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه في العراق وذلك بعد فتح الحيرة ، فاستأذنه أن يذهب إلى بكر ليجمع له قومه من بجيلة والذين كانوا متفرقين في العرب بسبب الحروب الطاحنة التي تحدثنا عنها في البداية . وكان جرير قد أخذ وعدا من النبي في جمع قومه ، ولكن أبا بكر بين له إنشغاله بقتال المشركين ، فرده إلى خالد بن الوليد .
*معارك شارك فيها جرير بن عبدالله مع خالد بن الوليد
شارك جرير بن عبدالله مع خالد بن الوليد في بعض المعارك ومنها : معركة الأنبار ومعركة عين التمر ودومة الجندل ومعركة حصيد والخنافس ومعركة مصيخ ووقعة الثني والزميل وغيرها من المعارك . ولجرير في هذه المعارك مواقف مشهودة حيث إستطاع إصابة عبد العزى بن أبي رهم بن قرواش من النمر .
2/ تاريخهم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
*جرير يجمع قومه بأمر من عمر
بعد وفاة ابو بكر الصديق رضي الله عنه ، وبعد أن قاتل جرير بن عبدالله إلى جانب خالد بن الوليد في الشام ، قدم إلى عمر بن الخطاب وقد تسلم الخلافة ، فاستأذنه أن يجمع قومه الذين فرقتهم الحروب بين القبائل ، وقال بأن رسول الله قد وعده بذلك ، فوافق عمر وكتب إلى عماله في الأمصار ، بأنه من كان من بجيلة في الجاهلية وثبت عليه في الإسلام أن يخرج إلى جرير في بلاد بجيلة ، فخرج منهم الكثير .
*قتال بجيلة ضد مرزبان المدائن والفرس
لما أتى خبر وقعة الجسر إلى عمر بن الخطاب ، أرسل إلى بجيلة ببلادهم يأمرهم بالمسير إلى حيث المسلمين في العراق ، فاتجهوا إلى عمر ومن هناك شيّعهم واتجهوا إلى حيث أمروا من البلاد ، ولما وصل جرير وقومه البالغ عددهم قرابة الثلاثة آلاف ، علم بذلك مرزبان الفرس وكان معه عشرة آلاف من فارس من الأساورة ، فأشاروا بجيلة على جرير بأن يعبر بهم نهر دجلة لقتال الفرس ، ولكن جرير أحجم عن هذه الفكرة حتى لايتكرر ماحصل في الجسر ، وفي احدى الايام عبر الفرس هذا النهر ، فهاجمهم جرير وقومه حتى قتلوهم وهزموهم شر هزيمة .
*قتال بجيلة في معركة البويب
بعد هزيمة الأساورة في نهر دجلة ، سار جرير وقومه إلى المثنى بن الحارثة مساندا له في معاركه ، وشكلا بذلك جيشين ، حتى التقوا بجيوش مهران الجرارة ، فحدث بينهما قتال شديد وطويل ، وفي خضم المعركة أدرك جرير مهران فضربه بسيفه ضربة قوية جعلته لايقوى على الدفاع ، فجاء حسان بن المنذر الضبي واحتز رأسه ، وفاز جرير بمنطقته وسَلَبه .
*رسالة جرير إلى عمر بالمدينة
بعد هذه المواقف العظيمة والانتصارات الساحقة ، قام جرير بن عبدالله بإرسال سبيع بن زهير البجلي إلى المدينة ليبلغ عمر بذلك ، فجعل الناس يسألون سبيع ماتركت وراءك؟ قال : تركت بجيلة يهيلون الذهب هيلا . فكبر الناس وكبر عمر مرارا وحرضهم على اللحاق بجرير . وفي ذلك يقوم الشاعر عبيد بن عمرو البجلي
تلك بجيلة قومي ان سألت بهم
................. قادوا الجياد وفضوا جمع مهرانا
فسائل الجمع يوم القادسية عن
................. قومي ومن شهد اليرموك عينانا
وبالبجيلة قـد لاقـوا كتائبهـا
................. رجلا يسيل بهم سيلا وفرسانـا
فهزم الله جمع المشركين بهـم
.................. يوما دوائر شيطانـا فشيطانـا